french

English

 

دليل المواقع

برامج وأنشطة

أخبار

الأرشيف

طلب مساعدة

عن اللجنة

الصفحة الرئيسية

Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913

e. mail achr@noos.fr

International NGO in special Consultative Status with the Economic and Social Council of the United Nations


قراءة في المواطنة على ضوء الواقع - فيوليت داغر

2008-04-28

 

   

(ورقة مقدمة لمنتدى الفكر العربي، الرباط في 20-21/04/2008)

قرأت باهتمام بالغ ورقة العمل المقدمة لمنتدى الفكر العربي من الدكتور عدنان السيِّد حسيـن بعنوان المواطنة في العالم العربي. وإذ أثمن الجهد الكبير المبذول في البحث والصياغة وتقديم المعلومة، وجدت أنه لا بد من بعض ملاحظات ضمن مقاربات متعددة الميادين توخياً لإحاطة أوسع بموضوع البحث. الأمر الذي يتيح الخروج بتصور للآليات التي من شأنها السير قدماً في مضمار تحقيق المواطنة، والتي بدأ باستعراضها كاتب النص من مثل: توفير حرية انتقال الأفراد بين الدول العربيّة، وتبادل الأساتذة الزائرين بين جامعاتها، وتنسيق الخبرات الاعلامية، واقامة ادارات مشتركة للسياحة الداخلية ولحماية البيئة الطبيعية من التصحّر والتلوث.

من المعروف في علم النفس الاجتماعي أن بناء الهوية هو عملية تفاعلية مستمرة بين الذات والآخر الذي هو جزء من هذه الذات. فحتى المكان الجغرافي الذي ينشأ فيه المرء يحمل، بما يتضمنه من أشياء مادية، بعداً عاطفياً يضفي عليه أهمية بالغة. وإذا كانت صورة الانسان عن ذاته وانتماؤه للعالم تنطلق من هذا المحيط، وترتكز على الشعور بالاستمرارية رغم تبدل الأحوال، وبالاختلاف عن الآخرين رغم التفاعل الوثيق مع المجتمع، فهناك حاجات متعددة لا بد من اشباعها لبلوغ التوازن النفسي المنشود والنجاح في الحياة وتحقيق الأهداف. هذه المتطلبات ليست فقط فيزيولوجية أو اجتماعية كالحاجة للحب والصداقة، بل تكمن أيضاً في احترام النفس وتحقيق الذات والشعور بالاستقلالية والتفرد، كما في القدرة على التأثير على الواقع.

عندما نتكلم عن المواطنة نفترض أن من يتولى ادارة الشأن العام يعتبر أفراد المجتمع مواطنين وليس رعايا. بمعنى أنه يعي مسؤليتَه في السهر عليهم، ويعترف في الوقت عينه بأن لهم كامل الحق في المشاركة في القرار والتداول على السلطة، تطبيقاً للمعاهدات والدساتير والقوانين التي تكرس حقوق الأشخاص في المساواة والعدل والحرية. لكن ليتمّ ذلك كما يفترض، يجب أن يندرج ضمن مناخ سياسي يدعم ثقافة التعددية واللامركزية والديمقراطية، كما ويدعو للحوار والتسامح والتصالح مع الذات والحق بالاختلاف وقبول الآخر. بما يشجع بالتالي على ممارسة الحقوق المدنية والسياسية والمشاركة في التنمية المجتمعية أكان ضمن مؤسسات الدولة أو خارجها.

في الغرب، تضمن المواطنة للفرد، من وجهة نظر قانونية، المشاركة في الحياة السياسية والمدنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وفي حين وجدت الاتفاقية الأوروبية في الجنسية الرابط القانوني بين الفرد والدولة، بغض النظر عن أصله العرقي، اعتبرت أن المواطنة مشاركة في المجتمع المدني طالما أن المواطن يعيش بشكل شرعي في الدولة المعنية بغض النظر عن جنسيته أو منشأه. الأمر الذي وسّع استعمال مصطلح المواطنة الأوروبية ليطال الحكومات والشركات ويتجاوز حدود وصلاحيات وحقوق البلد الواحد. فباتت المشاركة في المجتمع المدني ليس فقط حقاً بل واجباً. وذلك من خلال احترام التشريعات والمشاركة في الاقتراع واتخاذ القرارات. هذا الاستعمال الجديد للمواطنة من شأنه أن يسمح بتعددية الانتماء وأن يتيح للفرد الحق في اختيار ثقافات ومجموعات مختلفة عن بعضها. أما من لا يتمتع بالمواطنة أو بالجنسية فيحرم من بعض الحقوق التي هي غالباً سياسية ومدنية.

هناك تباين في رؤية المواطنة بين الفكر الغربي والفكر العربي الاسلامي. ففي حين يستند الأول للفرد كركيزة في البناء القانوني ولمفهوم فصل الدين عن الدولة وعدم توظيف الدين في خدمة السياسة أو العكس، يرتكز في الثاني على مفهوم الجماعة دون تناقض مع الدين. هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، من شأن ما يجري على أرض الواقع أن يجعل من مفهوم المواطنة مسألة مستعصية، على الأقل حتى الساعة.

من نافل القول أن أحداثاً تاريخية تلاحقت متسارعة على المستوى الإقليمي خلال العقد الأخير من القرن العشرين وبدايات الحادي والعشرين. بحيث أثارت تحولات عميقة في البنية المجتمعية وأحدثت صدمة نفسية عند البشر ترافقت بمشاعر الخوف من الحاضر والقلق على المستقبل. وإذا كانت ممارسة الديموقراطية تتطلب الاستقرار، هذا لا يمكن توافره مع العنف الذي يفرضه الاحتلال والهيمنة الخارجية، التي عبر عنها وولفويتز قبل سنوات بالقول: "أن الولايات المتحدة ستضرب نظام الحكم العربي حتى ولو كان ديمقراطياً في حال: هدّد مصالحها النفطية، أو أمن إسرائيل، أو أتى بحكومة إسلامية ولو حصل ذلك عبر اقتراع ديمقراطي!"

بالمقابل، في القمع الداخلي الذي تمارسه السلطات التسلطية ما يعطل الحياة الديموقراطية. فالمنطقة تعيش في ظل أنظمة حكم شمولية وعسكرية مصابة بداء الرهاب من حقوق الإنسان. أنظمة تترك العنان لعناصرها الأمنية لتعيث فساداً في الأرض باسم الحفاظ على الأمن ومحاربة الارهاب. هناك تجمعات مصلحية تعيش في ظل استشراء الفساد وفرض الخوة والواسطة والرشوة، وأنظمة لا تعترف بالتداول على السلطة. فتستولي على الدولة وتعمّر من تزوير الانتخابات واختراق النقابات والأحزاب وانتهاك الحرمات والكرامات وفرض قوانين الطوارئ والمحاكمات العسكرية وإباحة الاعتقالات التعسفية والتعذيب. مثال على ذلك عدد العاملين في وزارة الداخلية المصرية حيث تبين احصاءات غير رسمية أنهم قاربوا 8 ملايين موظف، موزعين على الأجهزة المختلفة من مباحث وشرطة وتسميات وتقسيمات لا نهاية لها. هذا إن لم نتكلم عن المتطوعين والمجبرين على التعاون للعمل كمخبرين ومرشدين وغيره. وقد رأيناهم قبل أيام في مشاهد مخزية ضد ثورة الجياع ولقمع التعبير عن الرأي في انتخابات المحليات المفصلة على مقاس الحاكم وحزبه.

هؤلاء الحكام منهم من يعدون من أثرياء العالم، في حين أن النسبة الأكبر من شعوبهم لا تجد ما تقتات به. فتضاعف الفقر وسياسات الخصخصة واللبرلة وتباطؤ التنمية مضافة للأمية المستشرية وللكوارث البيئية لا تنتج سوى رفض للواقع وتراكم للاحباط وتهميش للذات وتوق للهجرة وتسليم الروح لكف عفريت. في حين توصد بلدان الشمال أبوابها أمام وافديها من دول الجنوب. تعينها في استعدائهم لوبيات ضغط تعمل دون هوادة على تشويه صورة الاسلام والمسلمين، مازجة بين الاسلاموفوبيا والعنصرية. لدرجة أوصلت البعض لنكران الذات والانقلاب على المرجعيات وتسفيه الجذور.

وهكذا فالعلاقة لا يمكن أن تكون إلا جدلية بين العنف الذي يبث سمومه في جسم المجتمع من فوق والأمراض المزمنة التي تستشري فيه. والحاجة لايجاد نوع من التوازن عند من يُستهدَف تدعو لردود فعل قد لا تكون موفقة، وهي بدورها قد تستدعي ردوداً جديدة أكثر حدة. فتتحول الخلافات لأزمات، والأزمات تتفجر لصدامات، وتتبعثر الصفوف في مواجهة المصير الوطني، بعد حلول العصبيات البدائية والانتماءات الفئوية على حساب ممارسة المواطنة المسؤولة والاخلاص للوطن. والتخبط في متاهات المذهبية والطائفية والولاءات الخارجية، وبين تجاذبات المصالح الشخصية والانقسامات الفئوية والتقلبات السياسية أصاب المواقف والسلوكات بتصلب حاد أعمى الأبصار. وبات الخلط بين القوى الليبرالية والديموقراطية كبير في ذهن الكثيرين، حتى في صفوف الانتلجنسيا أو النخب التي كانت البارحة تسمي نفسها علمانية وماركسية واشتراكية. كون الدوغمائية ليست حكراً على تيار فكري دون غيره، بل هي آليات دفاعية نفسية موجودة بنسب متفاوتة عند كل البشر.

كيف لنا أن نتحدث عن المواطنة وهناك في البلدان العربية تيارات فكرية لا تخشى المجاهرة بعدائها للقومية والعروبة والاسلام. وهي ممثلة في بعض الحكومات التي أصبحت تعمل علناً لاجندات خارجية باسم اللبرالية حيناً والحرب ضد الإرهاب أحياناً أخرى. والأنكى عندما تقحم الديمقراطية وحقوق الإنسان في هذا المعمان رغم أنفها. كذلك بات الفقر والتهميش والتخلف بنظر بعض الشرائح المجتمعية من مسئولية المحكوم الذي يكاد يستحق وضعه كونه لا يفعل شيئا للخلاص من قدره. الأمر الذي يوشك أن يعفي من مسئولياته النظام العربي وارتباطه الوثيق بالنظام العالمي.

فهل تراكم الاحباط ورفض الموجود وتغييب الذات يمكن أن يؤدي لفعل إيجابي وبنّاء؟ يعلمنا علم النفس الاجتماعي أن الصدمات يمكن أن تنتج فعلاً مقاوماً إن وُجد خلال المحن والأزمات من يأخذ باليد وينير الدرب. وكما ذهب إليه الدكتور عدنان حسين، إذا كانت ردّة الفعل الطبيعية للتهميش التمرّد الذي قد يصل الى مرحلة الحرب الأهلية أو الإنزواء والسلبية وتراجع معدلات التنمية والتطوّر المجتمعي، فلا بد من إبراز دور المجتمع المدني بأحزابه وجمعياته ونقاباته وشرائحه المهنية المختلفة وتعزيز ثقافة التنشئة المدنية.

الهدف بالنهاية تحويل الفرد من مفعول به لفاعل مسئول عن واقعه ومستقبله. لمواطن مساهم في الحضارة البشرية على قدم وساق مع شعوب العالم. فالمجتمع المدني كقطب ثالث، إلى جانب المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، تناط به المسئولية في إدارة الشأن العام. لذا، ليس لأحد أن يسلبه هذا الحق أو يمنّ عليه به. وإذا كان المآل تحويل القلة التي تحمل شعلة التغيير لأغلبية، ليكن البدء بالعمل على الذات خطوة أولى في معركة تحرير الأوطان من الاملاءات الخارجية والاحتلالات. في ورشة الاصلاحات السياسية والاقتصادية وتوسيع مساحة الجمعيات غير الحكومية. خاصة تلك التي تتصدى للفقر أو التي تعالج مشاكل التمييز ضد الأقليات والفئات المستضعفة. كونه لا يمكن تحويل الوعي بمفاهيم حقوق الإنسان والمواطنة لممارسة فعلية مع غياب نماذج تحتذى ضمن تنشئة عائلية تعاني التمييز بين الشرائح المجتمعية. وكون الأم هي في أساس تشكّل الأنا العليا وبناء الشخصية وصورة الذات والهوية، بات واجب الوجوب التصدي لإشكالية المساواة بين الجنسين بشكل جدي وفعّال، بعيداً عن الخطابات الرنانة وإعلان النوايا. كذلك لا بد لجمعيات المجتمع المدني من توسيع معركة الشجب والتعريف والتوعية وبلسمة الجراح لرفع غطاء اللاعقاب عن مرتكبي الجرائم ضد الشعوب. فحصانة القابضين على موازين القوى من المساءلة لن تُعمل سوى معاول الهدم في كوكبنا. وإلا ما سبب ما شهدناه من تراجع مريع على صعيد الحقوق والحريات بدلاً من أن تكون الحركية عكسية انسجاماً مع سنة التطور؟

 

* رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان

 

الصفحة الرئيسة

 

بيانات

مقالات

تقارير

دراسات

حملات

كتب

وجهة نظر

أخبار

إصدارات

نشاطات

كتب سلسلة براعم

   موريتانيا    


هيثم مناع

منصف المرزوقي

فيوليت داغر

المصطفى صوليح

ناصر الغزالي


 

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي اللجنة العربية لحقوق الإنسان , إنما تعبر عن رأي أصحابها