العـرب

بقلم المطران جورج خضر

أرسلت هذه السطور إلى الطباعة قبل صدور بيان القمة. لذلك ليست المقالة كتابة في السياسة. هي كتابة في الرجاء. وإذا كانت كرامة العرب يصنعها الشباب الفلسطيني بدمه فكل شيء آخر يأتي شهادة لهذا الدم أو لا قيمة له. ما من ضحية اهرقت إلا واقتبلها الله خطابا بينه وبين أحبته في الأرض. ليس السؤال استمرار الانتفاضة أو التوقف عنها. المسألة هي أننا نحتاج في فلسطين إلى لغة وقد تكون الذبيحة اللغة الوحيدة المؤدية إلى السلام.

يجب أن يعرف العرب ماذا يريدون من السلام. ليست إسرائيل جمعية خيرية. تريد ثمنا للسلام. نعرف ما لا تريده في ظل الفلسفة الصهيونية والممارسة الصهيونية. بالتأكيد لا تريد شعبا فلسطينيا عظيم التطلعات، كامل الحرية، كامل النماء. تريده معنويا في قفص شبيه بالقفص المادي المرموز إليه بتطويق مقر الرئيس عرفات. وتريده شعبا بلا هذا الرمز الأساسي الذي هو جيشه. ولم يظهر حتى الآن كيف أن رقعة الأراضي المقطعة الأوصال يمكن أن تلتحم أوصالها وإلا تكون رهينة لمستوطنات يهودية كثيرة كبيرة. صورة فلسطين المرجوة لم تظهر بعد. ثم أي سلام يرجى بلا تعديل الدستور الإسرائيلي الذي يقضي بأن تكون الدولة العبرية غير محددة حدودها. إذا هذا لم يحسم في المفاوضات فمعنى ذلك أن هذه الدولة مرشحة للامتداد إذا حان ظرفه.

لماذا باتت قضية فلسطين أساس كل بحث عربي وطموح عربي؟ ليس هنا لأن القدس وما حولها هي جرحنا فحسب ولكن كون الحل الكريم العادل هو امتحان لصدق العرب. هذا يقودنا إلى السؤال: ماذا يمكن أن نعطي ليس على سبيل مفاوضات يبدو انه لا مفر منها ولكن على صعيد القناعات؟ الموضوع الفلسطيني عندي موضوع خلقي أساسا. من بعد هذا يغدو مسألة سياسية. "أخلاقيا" قلتها منذ سنوات في المحافل المسيحية في الغرب. قلت: "إسرائيل حبل بها بالإثم وولدت بالخطيئة". هناك إذا رفض في العمق روحي لهذا الكيان، رفض للظلم ولا مصالحة والظلم. هناك أمل في إنهائه وليس، ضرورة، بالسلاح. ما يسوغ للعرب إعطاؤه هو حالة وضع حد للحرب أي عهد عدم قتال.

عندما كان المغفور له الرئيس حافظ الأسد يقول بعلاقات عادية لم يوضح مرة انه كان يرغب في تبادل ديبلوماسي. السؤال يبقى ما هو العادي وما هو غير العادي. أنا أريد حياة للشعب اليهودي وامتلاء حضاريا وازدهارا. ولكن هذا لا يفرض تعاملا يوميا، اقتصاديا وثقافيا بيننا. فالشعب اليهودي يمكن أن يعيش دون أن يتعامل وإيانا. له مخرج إلى البحر والى الجو والى إقامة علاقات مع شعوب غير شعوبنا إلا إذا كان يحلم بثرواتنا نفطية كانت أم غير نفطية.

* * *

هو يتكلم على التطبيع أي على التداخل في ما بيننا. غير أن فلسفته كلها هي إلا يعيش بالمساواة في الكرامة بيننا وبينه. ولذلك كان مضمون التطبيع عنده أن يبقى مسيطراً أي أن رغبته الحقيقية الظاهرة في كل النصوص الصهيونية أن يسخرنا لمجده، لتفوقه، لاستغلاله إيانا ويستعمل كلمة حضارية "التطبيع" وهي كلمة حق عنده يراد بها باطل.

هناك حالة يمكن التطبيع معها هي حالة سقوط الفلسفة الصهيونية. ولا شيء حتى الآن - ما خلا ما تكتبه قلة عزيزة عندهم - يدل على أن سقوط الصهيونية قريب. فإذا تهاوت هذه الفلسفة نكون إمام مشكلة تعايش شعوب تدين بالديموقراطية وترغب صادقة في أن تعيش متساوية في الكرامة. عند ذاك فقط تكون الدولة العبرية قد تابت عن الإثم الذي حبلت به والخطيئة التي ولدت فيها. فإن لم تسقط الصهيونية تكون الدولة العبرية على موقفها الاقصائي الصميمي للعرب. وتكون العلاقات بيننا وبينها حلولاً ترقيعية هي نهايتنا نحن على المستوى الحضاري والإنساني ولو بقيت على الخريطة رقعة تسمى فلسطين. والهزالة التي تكون عليها فلسطين هذه ستنتشر سرطاناً في كل الجسم العربي. اليوم هو امتحان العرب.

& & &

يبقى السؤال في أية روحية وعلى أية همة سيكون العرب بعدما انصرفوا عن قمة بيروت. لست اعلم فيما اكتب إذا كانوا سيغادروننا موحدي الكلمة او غير موحدين. المهم أن تكون شعوبنا مصممة على أن تحيا معاً وان تصعد معاً لان هذا الصعود المشترك هو الذي يبني فلسطين في الآتي ويبنينا كلنا. لقد أراد الشيخ إبرهيم اليازجي أن يستنهض العرب في قصيدته الشهيرة وأرجو أن يكونوا قد فهموا آن آوان النهضة الحقيقية قد حان وان بلداً واحداً لا يقدر منذ اليوم على ان يعظم الا اذا رام ان يعظم العرب جميعاً ومعاً بحيث يفهمون أن نمو كل بلد من بلدانهم في استقلاله وخصائصه شرط للانبعاث الشامل.

يزين لي انه علينا ان نسعى الى وسائل تقارب حقيقي نتجاوز فيه مشروع وحدة مذيبة للكيانات. ما كنا نسميه، احتقاراً، وضعاً كيانياً لكل بلد بات امراً تسلم به الشعوب. الايديولوجية الانصهارية لم تنجح ولن تنجح ولا نفع فيها في زمن التبادل التجاري الكبير والتناضح الفكري والتعاون الوثيق. يكون من الحماقة ان نهدر وقتاً في حلم الاندماج الكياني. نحن نريد ازدهاراً لا سقف فوقه لكل عربي وتطبعه بالحرية وانصبابه على المعرفة واكتسابه العقل العلمي واحترام تعدد الاديان والتمايز الاثني حتى نشعر ان العروبة بيتنا جميعاً ليس مؤلفاً من غرف واسعة وغرف ضيقة اي عائلة لا استعلاء فيها لبعض من أعضائها على البعض الآخر ولا منافسة فيها بل تكون عائلة تتكامل فيها المواهب وتتضافر الجهود لعزة الجميع.

وقد يكون لبنان على صغر حجمه، وإذا أملنا أن يحيا حراً كما كان، صورة للعيش العربي الواحد. لأول وهلة أقول أن لا غنى عن الليبيرالية الاقتصادية ولا غنى عن التلاقح الفكري في كل بلد وبين البلدان. وحتى إدراكنا هذه الحال هناك علامات إبداع في الفن والفكر في معظم بلداننا حتى في تلك التي لم تتفتح كلياً على الديموقراطية. إن النعمة الإلهية تحل حيث تشاء وتنبت رجالاً ونساءً عظيمة قلوبهم ورهيف احساسهم بحيث ترى إن ثمة أساساً للرجاء العربي. أصبو إلى يوم تزول فيه مناطق من ديار العرب متخلفة بحيث نلتحق بركب الحضارة العالمية ونستمد منها ونعطيها. أرجو يوماً أن تنفتح عيوننا على كل الآفاق حتى نقهر المقهورية ونقول الكلام الجذاب على أعلى ما يكون الكلام في العالم.

هذا كله يتطلب عقلاً نقدياً. والعقل النقدي الكبير لا يخشى فيه على المقدسات ولو خشي منه على المتحجر في ما نسميه تراثاً ولكنه ليس بتراث. وهذا لن نحققه إلا إذا تآخى الرجال والنساء في الكرامة والفكر. ان ما اقرأه الآن من ادب النساء يدل على أن المرأة العربية تكتب الآن كما ترسم وتعزف على مستوى الرجل تماماً. ان رهافة الثقافة عند النساء تدل على أننا يجب أن نعترف بالمرأة إنساناً كاملاً لا يضاف إلى الرجل إضافة. للمرأة ذاتية وفرادة وذوق يخشى العربي الاعتراف بها إنقاذاً لذكورية يظنها في نفسه امتيازاً.

إلى هذا، الإنسان العربي خائف من كل شيء، من "مادية" الحضارة الأوروبية وهو مادي بامتياز لأنه استلذاذي بامتياز. يخاف تحديات الحاضر لأنه حفيظ للماضي لظنه انه يجد فيه الدفء الذي يقيه أعاصير العقل وفطر العقل. يخشى أن يعيش الكون المتطور أبداً الذي يقتضي منه مشاركة في هذا التطور تنفي التواكل وتراكمية التراث واجتراره. اله العربي لا يتحرك.

إذا ظهر الإنسان العربي الجديد لا تبقى فلسطين ضعيفة. قدس غير حر داخلياً إنسانها من هواجسه ليست عاصمة مقدسة. هي حجارة. الإنسان العربي الجديد لن يبقى حجراً.